فخر الدين الرازي
110
تفسير الرازي
في البيع ، وأيضاً لو كان الخلع فسخاً فإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يجب عليها المهر ، كالإقالة ، فإن الثمن يجب رده ، وإن لم يذكر ولما لم يكن كذلك ثبت أن الخلع ليس بفسخ ، وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق . حجة من قال إنه ليس بطلاق وجوه : الحجة الأولى : أنه تعالى قال : * ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) * ثم ذكر الطلاق فقال : * ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) * ( البقرة : 230 ) فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً ، وهذا الاستدلال نقله الخطابي في كتاب معالم السنن عن ابن عباس . الحجة الثانية : وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس بن شماس في مخالعة امرأته ، مع أن الطلاق في زمان الحيض أو في طهر حصل الجماع فيه حرام ، فلو كان الخلع طلاقاً لكان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يستكشف الحال في ذلك ، فلما لم يستكشف بل أمره بالخلع مطلقاً دل على أن الخلع ليس بطلاق . الحجة الثالثة : روى أبو داود في " سننه " عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة ، قال الخطابي : وهذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق ، لأن الله تعالى قال : * ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) * ( البقرة : 228 ) فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد . أما قوله تعالى : * ( تلك حدود الله ) * فالمعنى أن ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع * ( فلا تعتدوها ) * أي فلا تتجاوزوا عنها ، ثم بعد هذا النهي المؤكد أتبعه بالوعيد ، فقال : * ( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) * وفيه وجوه أحدها : أنه تعالى ذكره في سائر الآيات * ( ألا لعنة الله على الظالمين ) * ( هود : 18 ) فذكر الظلم ههنا تنبيهاً على حصول اللعن وثانيها : أن الظالم اسم ذم وتحقير ، فوقوع هذا الاسم يكون جارياً مجرى الوعيد وثالثها : أنه أطلق لفظ الظلم تنبيهاً على أنه ظلم من الإنسان على نفسه ، حيث أقدم على المعصية ، وظلم أيضاً للغير بتقدير أن لا تتم المرأة عدتها ، أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها ، أو الرجل ترك الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان ، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة ، ففي كل هذه المواضع يكون ظالماً للغير فلو أطلق لفظ الظالم دل على كونه ظالماً لنفسه ، وظالماً لغيره ، وفيه أعظم التهديدات .